الحوت.. عندما تحرق نار الفن أبناءها

تاريخ التحديث: مارس 28


مجاهد بشير

إن كان التيجاني يوسف بشير أول شهيد للفن والفكر في السودان، فإن محمود عبد العزيز هو آخر شهيد للفن والجمال في هذه البلاد، ولقد رأيت محمود آخر مرة قبل أكثر من عام، وأدركت حينها أن محمود قد تخلى عن وجوده الجسداني الفيزيقي، ويستعد للقيام بالقفزة الكبرى نحو عالم آخر.

يصعب بالضبط تحديد المرحلة التي قرر فيها محمود مغادرة عالم التراب والطين، لكن قبل سنوات قليلة، ظهرت سمات التصوف ساطعة في شخص محمود وفي فنه، ما يوحي بأن محمود عاش سنواته الأخيرة في حالة من الوجد والاغتراب الداخلي والتحليق الروحي والجمالي في عوالم الخفة والتصوف والأخيلة والارتباط بالقيم والمعاني والأقانيم الموسيقية والصوفية والدينية والذاتية المجردة.

لقد كان محمود صوتاً عظيماً أرهقه التعصب، تعصبه الشديد للفن وجماليات الموسيقى والإيقاع ورفضه الحاسم الشجاع لبؤس الواقع، وأرهقه تعصب محبيه الجنوني بقدر ما أرهقه تعصب كارهيه ومبغضيه وحاسديه.

إن القيمة الجمالية والثقافية الحقيقية لمحمود عبد العزيز، ليست في صوته العبقري فحسب، بل في إيمانه العميق بقضية الفن، وإن اختار عباقرة قبله الفن لخدمة قضية أخرى، واختار هواة من بعده الفن لركوب (الهمر) والبحث عن النجومية، إلا أن محمود آمن بأن الفن للفن، فلم يغتر ببريق النجومية، ولم يصبه سعار الجنيه والدولار، وتفرغ تماماً خاصة في سنواته الأخيرة لتعميق تجربته التأملية والوجدانية، وتنويع تجربته الموسيقية والغنائية.

رغم المعاملة غير اللائقة التي تلقاها محمود من بعض الأجهزة، ومن بعض الجماهير، ومن بعض الإعلاميين وأهل الغناء، والتقاعس المعتاد من المجتمع أفراداً ومؤسسات عن دفع فاتورة الخدمات العلاجية الخارجية للرموز الثقافية، إلا أن الطابع المأساوي الذي اتسمت به سنوات محمود الأخيرة، وتوجه بمشهد رحيله الأخير لم تكن السخافات أعلاه سببه الرئيس، لكن محمود في ظني هو من اختار هذه النهاية المأساوية، لتصبح تجربة محمود الفنية والشخصية تعبيراً صادقاً عن أزمات السودانيين ومآسيهم الكبري خلال العقود الأخيرة، ويصبح السودان في لحظة ما هو شقاء محمود الوجداني، ويصبح محمود عبد العزيز في كتاب النقد والجمال هو شقيا السودان والسودانيين.

يظن كثير من النقاد أن محمود كان يمكن أن يقدم أعظم مما قدمه للفن لو أدار تجربته الفنية على نحو أفضل، وبالفعل، كان بمقدور محمود أن يصل إلى مستويات رمزية وتأملية وجمالية أشد عمقاً كمستويات مصطفى سيد أحمد مثلاً، وهي مستويات جمالية أدركها محمود في بعض فنه، لكن الواقع الذي عبر عنه محمود وخرج منه يختلف عن الواقع الذي عبر عنه من سبقه، ما يعني أن إصرار محمود على تقديم فن جاد وعميق في زمان سطحي بائس كفر فيه الفنانون قبل غيرهم بالفن، يجب أن ينظر إليه بعين الاعتبار عند القيام بأي تقييم نقدي جدي لتجربة هذا المغني الفريد بمقاييس الزمان والمكان، وحتى مقاييس النقد..باختصار لم يكن محمود فنان الشباب، لقد كان فنان الشعب.

محمود ليس أول من احترق بنار الفن ولن يكون الأخير، ذلك أن أول سمات الفنان الحقيقي هي الصدق والشفافية، لذلك ترى محمود في منعطفه الأخير يعبر بصوته وحضوره المرئي واللا مرئي، وبصدق وسطوع لا مثيل له، يعبر عن المسار المأساوي للأحداث في السودان الكبير.

من الخصائص الفريدة التي اتسم بها محمود، أنه فنان عابر للأعراق والثقافات والطبقات والأجناس، فيسمعه الناس في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ويسمعه البرجوازيون والفقراء، والصغار والكبار، والرجال والنساء، وبلغ من قوة حضور محمود الغنائي وقوة صوته أنه كاد يطغي حضوراً على فنانين شباب جيدين معاصرين له أمثال فرفور وعصام وآخرين من أصحاب الفن الجاد.

مع أن التقييم النقدي غير معني بسيرة الفنانين الشخصية، إلا أن الزهد وعفة اللسان والتواضع سمات عرفت عن محمود في حياته، وتكشفت مع رحيله مواقف إنسانية للرجل في الإحسان وأعمال البر والخير والتضامن البشري كان يحرص على إخفائها فيما يبدو، ما يعني أن محمود لم يكن مغنياً جاداً صاحب صوت عظيم فقط، بل كان صاحب مواقف إنسانية لا يجد المرء إزاءها سوى الشعور باحترام عميق لذلك الإنسان والفنان الحقيقي، أنعم به من محمود.




2 مشاهدة
  • YouTube
  • Facebook
  • Instagram

 © 1967 - 2013 Mahmoud Abdulaziz. All Rights Reserved.