سمح الغنى في خشم محمود... (2)

تم التحديث: أبريل 13


(انا دمعي جاري..

واسبابي جاري..

يا ريتو يعلم..

بالبي جاري..

في قلبي ساكن..

جاري البعزو..

هاجرني لكن..

آسرني حبو..

يا ريتو يدري..

آلام المحبة..

يسعدني حالا..

قبال وداري..)..


يا الطاف محمود عبدالعزيز..

قال المهاتما غاندي..(في البداية يتجاهلونك. .ثم يسخرون منك..ثم يحاربونك. ..ثم تنتصر..)..وربما هذا القول يلخص حياة محمود الدرامية التي امتدت حتى مشهد وفاته الماساوي الذي لا يزال يسود البلاد الكبيرة. ..

ومحمود لم يبدأ وحده. ..لكنه كان نسيج وحده. .كان معه في المشهد الضيق للغناء الذي سمحت به دوائر التضييق الرسمية على الابداع..كان معه..وليد زاكي الدين وجمال مصفى فرفور واسامة الشيخ وعصام محمد نور ونادر خضر..هؤلاء هم رفقة محمود في مشهد الابداع الغنائي..وربما هناك آخرون اقل ضؤا..

هؤلاء وقائد سربهم محمود يتلمسون درب الغناء الوعر وسط ذائقة جمعية متدهورة او مستلبة..وذائقة اخرى تتوجس خيفة من الجديد..وذائقة مختلقة من خطل التهاويم السياسية المتطرفة علت فيها اناشيد الجماعة السياسية الحاكمة..ثم ذائقة حارسية تقذف باحجار النقد على كل من يحاول مس القوالب المتعارفة من الغناء المسموع حقيبتها وحديثها..


جمال فرفور المغني صاحب الصوت الجميل الرقيق ساعدت طلاوة صوته وتشعب علاقاته ومطاوعته التماهي مع القديم. .ورغم حظيه بغير قليل من الصيت الفني العالي الا انه بقي مؤديا جيدا رغم احتواءه من بعض محترفي المطبخ الغنائي...


وليد زاكي الدين كان يبدو وكأنه يحمل جديدا ولكنه اكتفي بان يبدو كذلك..


اسامة الشيخ كان يحمل صوتا دافئا وارثا فنيا من اسرته التي فيها المغنية والملحن والشاعر والموسيقي لكنه اكتفي بالبوم واحد وربما اغنية واحدة متميزة. .ثم هاجر. .حيث مهارب المبدعين..


اما عصام محمد نور ونادر خضر فكان واضحا من حضورهما انهما اصحاب موهبة متميزة ومشاريع فنية تتقاطع وتلتقي وتتماهى مع المتوارث رحل نادر باكرا وبقي عصام يتلمس الخطى..


وكان محمود عبدالعزيز حادي المغنين هؤلاء. .كان اميزهم حضورا ومغايرة وكان ابرعهم اختيارا وتجديدا ومسايرة..رغم مخاصمته التسجيل في الاجهزة الرسمية التي لا تتذكره الا في الاعياد انتهازا لجماهيريته الطاغية.. كان قد احتكرته شركات الكاسيت..ثم وانه كان اكثرهم تعرضا للاغتيال المادي والمعنوي..ولو تعرض مغني اي مغني في العالم لما تعرض له محمود عبدالعزيز من تشهير وملاحقة واغتيال شخصية وقتل معنوي. .لانتحر..لكنه كان فارسا..وربما حياته التي تزروه متلازمات التكلس السوداني الا ان كان نجما قدريا من رحمة الله بالغناء السوداني. .صمد في حياته القصيرة صمودا خرافيا امام خلافات البيت الفني وامام تقاطعات الاسرة السودانية وامام التشهير بحياته الخاصة وامام الابتزاز السياسي والهوس الديني له في كل ذلك زلاته وتجلياته..وربما لم ياتي بعد لفتح جرح هذه الملفات الغائر..

وهي الحياة الدرامية عندما تتعلق الحياة بنجم واي نجم وهو النجم الثاقب محمود عبدالعزيز..احتمل الرجل النحيل كل حملات الاستهداف التي نالت منه بقلب متسامح وعقل فنان تجاوز كل ذلك وتفرغ لمشروعه الابداعي..ينتج البوما وراء البوم فتحس وكأنه يسابق مجهولا في المجتمع وفي الكار الفني وفي المؤسسة الرسمية الحائرة والمتحايلة حول محرومية ومشروعية الغناء وفي اعلام صحف الغثاء الصفراء. ...


الا ان هذا الرجل النحيل قد انتصر...يرحمه الله...


ياتيك صوته من بعيد النبوغ الى قريب العطاء يستقطب الاذواق ويلطف الافاق..اذ يغني..


(آسرني يا مياس

احساس جميل زيك

ما لقيت في دنيا الناس

ساكت شبه زيك..

ما تشوف يا نظرات

كيف القوام مياس...........الخ


وهي من اغنيات التجاذب بين المغنين تغنى بها الاستاذ عثمان مصطفى وعلي السقيد وزينب الحويرص تجاذبوا حولها وملاءوا الصفحات الفنية بقصص الملكية حتى اتاهم الحوت وغنى بها وحين يغني تصحى الكهارب في المداين ويعم الهدؤ..ونحن في مشهد محمود التجاذبي هذا نتذكر كمال ترباس الفنان الشعبي العملاق صاحب الصوت الدافئ والاداء المتناهي التطريب اقتحم محمود معاقله فجفل زمانا حتى اصطلحتهما الايام وبرنامج تلفزيوني ظهرا فيها وغنيا كما لم يفعلاها من قبل. ..تغنى له محمود كثيرا فيما تغني وياتيك صوته من بعيد قوته الى قريب تطريب كمال ترباس


خلاص ما تبكي يا عيوني

والجفاك ما تسكي

الساب الحنان فكي

حقيقة الريدة بتبكي.........الخ..


ولعل تجربة محمود مع ترباس فيها الكثير الذي يقال والذي لا يقال. ..ولكن من لطائف محمود انه استفز المغنيين الشعبيين ان يوقعوا اغنياتهم بالمجموعة الموسيقية وهذه كانت نقلة عظيمة في الاستماع على نطاق واسع للاغنيات الشعبية. .


ثم ان محمود كان مغرما في بداياته بثلاث فنانيين كان لهم التاثير النفسي والابداعي الكبير علي مشروعه الغنائي وهم عبدالمنعم الخالدي وكان محمود يحب ان يغني اغانيه تقمصا على غير عادته في الاغنيات الاخرى غنى له كثيرا وظهر احدى اغنياته في البومه ....


دروب الشوق لمتين تودينا

ما خلاص تهنا وضاعت امانينا

كم مرة حاولنا ننسى ونسيب ريدو..

لكن بدون نشعر تلقانا بنريدو

مكتوب هواهو ومصيرنا في ايدو..


ثم الاستاذ الهادي الجبل حتى انه كان ينسب الى مدرسة الهادي الجبل الصوتية والتي فيها احمد ربشة (بدري من عمرك)..غنى له كثيرا (سرحتي سرحتي) و(افتقدتك) في بداياته ثم ب (مع السراب ) في احد البوماته المحدثة..


اما الثالث فهو الاستاذ ابوعركي البخيت وكان محمود يغني له في بداياته ب (بخاف يا انت لو جيتك) بشكل خرافي ثم ان اثر ابو عركي واضح جدا في التزامه الموسيقي وظهر جليا في البومه ما تشيلي هم في اغنية ماتشيلي هم تحديدا اداءا وموسيقى ومفردات يمكن الرجوع الى الفنان عمار مدارات للاستيثاق...تأملوها معي


ما تشيلي هم عاشق بكا

دوزن وتر حبك غنا..

شوقك شذا

شوقنا الشديد..

نضح الحروف بيك لوّنا..

يا غالية يا شيتا كتر

يا نرحسا يا سوسنا

يا في الصحوي الرزم

اتصبري ما تشيلي...


وهي من الاغنيات الماجدات لمحمود..


ثم ان الحياة كانت تزهو باغنيات محمد ميرغني كانت الحانه راقية وحالمة وساحرة مفرداته المغناة حبيبة ولطيفة كانت الدنيا تزهو باغنياته ثم ركنت الاستاذ قليلا حتى اتاه الحوت ليغني له تباريح الهوى...


ده الجاني منك

ومن تباريح الهوى

وصفو بصعب يا جميل

وبعدت عنك

ولما طال بي النوى

بقى لي اسيبك مستحيل..


فاكتشفنا كيف كانت هذه الاغنية باهرة وكيف كانت مائزة ومتطورة وقابلة للتطور للمساحات التي تحركت فيها صوت محمود العجيب..بنبوغ وعبقرية..وتغنى له ايضا


حنيني اليك

وليل الغربة اضناني

وطيف ذكراك بدمع القلب بكاني..

واقول ياريت زماني الكان يعود تاني..

والقاك يا حبيب عمري وتلقاني..


وربما كانت هذه هي ابدع ما تغنى بها محمد ميرغني واروع اختيارات محمود عبدالعزيز...


وقد يعلم الناس ان الموسيقار انس العاقب بدا حياته مغنيا ثم تفرغ للموسيقى والبرامج ذات الصلة واشياء اخرى فنسي الناس كونه كان مغنيا حتى اتاهم الحوت بتنقيبه الجرئ ليعيد الحياة ليتيمة انس العاقب


غلبنا الهوى غلبنا..


فما لو لم يتغنى محمودا هذه الاغنية لماتت في اضابير التسجيلات القديمة...انها من مكرمات محمود على الاذن السودانية..

اما وقد عرفت يا هداك الله فان من لطائف محمود انه يختار بذائقة فطرية شفيفة لمغنيين مجيدين كانوا في صدر المحافل الغنائية يكادوا يسقطون من ثقب الذاكرة الغنائية الماهل احدهم هو عبدالعظيم حركة...غنى له محمود (انا غنيت ليك اغاني)


انا غنيت ليك اغاني

يا حبيبي اسمى المعاني

وين نتلاقى تاني

انت الفيك الشعرا غنو

وانت البيك العشقو جنو

وين نتلاقى تاني..


ربما هو خيط الاستحضار الصوفي الذي يلهم محمود بمسبحة الاغنيات الاثيرة هذه لله درك يا خادم النبي ارقد في سلام..

ثم ياتي شيخ من شيوخ آخر الزمان الذين احترفوا غلظة الجاهلية فانفض من حولهم الناس وهم الشيوخ الذين لا يعرفون للمحبة دربا (وما عندهم الحبة)..(يستمرأون فقه وأد المرأة الجديد.. وسير الموت الزؤام)..ليقول ماذا قدم محمود للسودان..يا شيخ الغفلة الرجل غسل ارواحنا ببرد من لحون الصفاء وباعه طويل في ترقيق مشاعرنا وفي ربط ابناء وطنه بكل ما يشبه السودان ولا يشبه القواحل التي في امخاخ الصحاري..فتبا لهم من شيوخ..


ثم ياتي صوت محمود من بعيد الانتماء الى قريب الاحتفاء حيث يتناثر المغنون في بلادي في قواحل المشهد الغنائي وهم من هم في المكنون الدري يستنطقون الحجر ان تخرج لآلي الغناء. .ومن لعمق الارض ليزيح تراب العيون وحجر القلوب عن ذهب الغناء ومن للفلاة والافاق وسماوات اللحن يصطاد الجمال اينما كان غير محمود عبدالعزيز. ......قد لا يتذكر الشباب او حتى الكثيرين ممن ذهب بهم العمر كامثالنا مغنيا سودانيا مجيدا ينتمي لجنوب السودان اصلا وللبلاد الكبيرة ابداعا كان يتغني في الناس


غصن الرياض المايد

يا الناحلني هجرك.......


الاغنية الاثيرة التي لا تخطئ الذائقة والعاملين عليها وقد تغنى بها محمود ايضا. .ذلك المغني الذي اشتهر في تلك الايام بلزمته عند الغناء (خليك مع الزمن)..يقولها ضاحكا في اوج الطرب وقمة انفعاله وتفاعله مع الجماهير في تلك الايام النضرة..


من منا ومن في الشباب يتذكر (رمضان زايد)..


الابنوسي(الصورة)...الذي كان يغني في الناس


انا ليتني زهر في خده الزاهي

انا ليتني طير في روضه اللاهي

انا ليتني نهر تنساب امواهي..


يا لطائف محمود. .اختارت روح محمود الشفيفة اللطيفة الاغنية الخفيفة لرمضان زايد في واحدة من اسرار تخاطر المبدعين. ..فياتيك صوت محمود من قريب الشدو


عيني يا سبب التعب

شفتي الجمال شفتي العجب

ساهرتو بي آخر جزا

الحبو في قلوبنا انكتب

النفرة عندو معددا

الريدو عودني السهر

قابلتو مرة وما ظهر

خلاني اكتر من شهر

ذكراهو عندي بعززا

ساهرتي بي آخر جزا

الصد شقا

والود شفا..


غنى محمود وذهب ترك الحياة للصامتين والمنكسرين والمتوارين وحاسديه وحراس النوايا وشيوخ الجن هؤلاء. .


غنى محمود. ...وانتصر

ترك صوته وروحه ومعجبيه وارث عظيم. ...وذهب..


لم تنتهي اختياراته وحلاوة الغناء بصوته ولكن الزمن ازف....لنلتقي..


فيا محمود

تجاهلوك..

ثم سخروا منك..

ثم حاربوك..

ثم انتصرت..

فارقد في سلام...


يا محمود

يامحمود

يا محمود

يا خاتم المنى

وين نلقاك هنا..




Kashat




4 عرض
  • YouTube
  • Facebook
  • Instagram

 © 1967 - 2013 Mahmoud Abdulaziz. All Rights Reserved.