محمود عبدالعزيز.. الفنان المتمرد

محمود عبدالعزيز.. الفنان المتمرد


عادل إبراهيم حمد


أثار رحيله موجات من الحزن كدأب البشر عند فقد عزيز. لكن صاحب وداع محمود حزن استثنائي من معجبيه الذين ارتبطوا به ارتباطاً تعدى الإعجاب بصوته والطرب لأغنياته. فقد كانت حلقات مسلسل حياته عالية الإثارة. ثم جاءت الأخيرة كأبلغ ما تكون الخاتمة. فقد احتشد معجبوه في شارع المطار ينتظرون جثمانه حتى تعطلت الحركة. وسارع ساسة كبار لم يعرف لبعضهم اهتمام بالفن إلى نعي الراحل والإشادة به علهم يكسبون هذه الفئة العمرية التي بلغ إعجابها بهذا النجم حد الهوس. يكفي للدلالة على استثنائية الحالة أن نلحظ أننا نستدعي عبارات غريبة لوصف وداعه كأن نقول (كان وداعه الحزين مثيراً). فهذه مفردات لا تجتمع إلا في حالات نادرة مثل الظواهر الكونية التي ينتظرها الناس قروناً. ونشير أيضاً إلى الجدل الذي (بدأ) بعد رحيل الفنان محمود عبدالعزيز. وهو جدل فرضته حقيقة أن قطاعاً عريضاً من الشباب قد أبدى من الحب والتعلق بهذا الفنان ما يرفعه إلى مقام الملهم و (القدوة).. فما سر محمود؟ هذا هو السؤال الذي ظل يحوم في مجالس النقاش منذ رحيله الحزين المثير. اجتهد البعض وعزوا الظاهرة إلى موهبة محمود الغنائية. ولم يخطئوا حين أسهبوا في وصف صوته العميق القادم من قرار بعيد ثم صعوده المتوازن إلى جواب آسر. فيصعد ويهبط بسامعيه ليمس مواضع الشعور حين يصعد وحين يهبط. وملك بذلك سر الكلمة المموسقة التي تشد الإنسان إلى عوالم يشتاقها ولا يعرف كنهها ويشوفها (طشاش طشاش) فإذا باللحن يجلي كثيراً من ملامح عالم الجمال الذي يلفه غموض ساحر. ورغم جزالة الوصف لكنه لم يفسر ظاهرة محمود. فقد شاركه في الموهبة الغنائية فنانون شباب. سبقه بعضهم وزامنه بعضهم وجاء بعده آخرون. ولم يفعل نجم الدين الفاضل وسيف الجامعة وحيدر بورتسودان وخالد الصحافة وطه سليمان وأحمد الصادق ما فعله محمود. ليبقى السؤال: ما سر محمود؟ كان محمود متمرداً لا في (ستايل) غنائه وحده، بل وفي ملبسه ومظهره وعلاقته مع جمهوره وإنسانيته. فلبى بذلك رغبة في التمرد تمور بها دواخل هذا الشباب الذي لا يعجبه الواقع. ولما وجد في هذا المبدع شيئاً مختلفاً اعتبروه تجسيداً لرفضهم ورمزاً لما يتطلعون إليه. وعادة ما تكون ثورات الشباب معبرة عن رفض للواقع بلا ملامح واضحة للبديل المطلوب. ولم يكن مطلوباً من محمود أن يقدم برنامج التغيير. فهذه مهمة آخرين، ولكنه نجح من غير أن يخطط أو يقصد في تفجير تمرد اجتماعي عبر فوق جسر إبداعي. أعانه على ذلك صدقه في التعبير بما يحس. وهذا يكفي فليس ضرورياً لتفسير الحالة تحديد الخطأ والصواب في طريقة التعبير عن التمرد. هو أقرب إلى فريق البيتلز وألفيس بريسلي وبوب مارلي. كان هؤلاء ملهمين للشباب ومجسدين لرغباتهم في التغيير. وقد أعان الشباب المتأثرين بتلك الظواهر الفنية في الغرب أن بلدانهم تهتم باتجاهات التغيير وتخضع مثل هذه الحركات إلى دراسات تفسر الحالة وتعالجها بموضوعية. وقد تبدل بالفعل الخطاب السياسي والاجتماعي بعد أن سلط المغنون المتمردون الضوء على مواضع الضعف في الخطاب القديم قصدوا أو لم يقصدوا. يكفي محمود -قصد أو لم يقصد- أن قدم خدمة جليلة لأهل السياسة والاجتماع حين قال وهو يجمع حوله هذه الحشود: إن من حولي شبابا لا يعجبه ما تقدمون. ويرجى أن تجد الحالة ما تستحقه من اهتمام وألا ينظر إليها نظرة سطحية تختصر الأمر في إعجاب شباب غير ناضج بفنان متمرد. فالتجاهل قد يضطر هذا الشباب للتعبير عن آماله بوسائل ضارة إذا طال انتظاره لبرامج بديلة لا يعرف (بالضبط) كيف يرسمها. لم يكن محمود عبدالعزيز معبراً بلا وعي عن آمال شباب يحيط به. أدرك الناس ذلك وهم يشاهدون شريطاً تكرر بثه بعد وفاته يخاطب فيه شباباً ويحثهم على المشاركة في حملة من أجل بناء الوطن ويقول في كلمة مرتجلة: «إن رايات هذا الوطن لن تنتكس». رحم الله محمود عبدالعزيز.


الموسوعة التوثيقية للأسطورة محمود عبد العزيز


0 عرض
  • YouTube
  • Facebook
  • Instagram

 © 1967 - 2013 Mahmoud Abdulaziz. All Rights Reserved.