موت الحوت بمنزلة إحتراق مكتبة الإذاعة السودانية .. ( 2 )

بقلم : وليد يوسف * بحر الحوت ...بشيل عوامو الفترة التي غطت تأريخ دولة السودان الوطنية الحديثة ،المتأسسة على مخلفات دولة ما بعد الإستقلال من ربق الإستعمار البريطاني. وحتى ردحاُ طويلاً من زماننا المعاصر هذا، نشأت في الواقع الموسيقي الخرطومي عدد قليل جداً من المؤسسات والجهات التي يمثل النشاط الموسيقى الغنائي واحداً من إهتماماتها المركزية ،مثل مؤسسة الإذاعة السودانية (هنا أمدرمان) وفيما بعد التلفزيون القومي ثم المعهد العالي للموسيقى والمسرح والفنون الشعبية وبعض التنظيمات النقابية المنظمة للمهن الموسيقية مثل إتحاد الفنانيين للغناء والموسيقى ودار فلاح للغناء الشعبي. هذه المؤسسات والتنظيمات غلب عليها الطابع المحافظ البيروقراطي المتأصل في جهاز الدولة التي تعاني بدورها من غياب السلوك الديمقراطي. فليس من السهولة بمكان ايجاد موطئ قدم للموهبين والمهتمين بالفعل الموسيقى الغنائي دون إجتياز العقبة الكؤد لهذه المؤسسات البيروقراطية الفوقية، المتمثلة في لجان أجازة الأصوات والنصوص، المحروسة بسدنة غلاظ شداد لا يعصون أمراً ويفعلون ما يريدون او ما يريد المسيطرون على مقاليد الحكم والسلطة. وبذلك ظل كثير من اصحاب المواهب والقدرات الموسيقية والمهتمين بمتعلقاتها، خارج هذه المؤسسات والتنظيمات وبالتالي خارج دائرة الأضواء. أدت هذه الوضعية مغلقة المنافذ لظهور أشكال وصيغ شعبية موازية لهذه المؤسسات، قمة ذلك كان نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات من القرن المنصرم، الشئ الذى ادي لأزدياد او إتساع دوائر النشاطات الثقافية ومن بينها الأنشطة الموسيقية الغنائية في بعض المراكز الرياضية، الثقافية والإجتماعية مثل (قصر الشباب والأطفال) الكائن في مدينة أمدرمان حي بانت شرق وأنشئ في فترة حكم الرئيس السابق جعفر نميرى كمنحة جادت بها بروباغندا المنظومة الإشتراكية من قبل (جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية) أبان الفترة التى عرفت تحت مسمى الحرب الباردة كما توسعت في بعض الأحياء والمناطق أنشطة مراكز الشباب مثل مركز شباب أمدرمان، مركز شباب السجانة / الخرطوم، مركز شباب بحري، نادي الخرطوم جنوب ،ميدان الربيع بحي العباسية الأمدرماني وغيرها من المراكز والأندية الرياضية الثقافية في العاصمة القومية،هذه المراكز أتاحت لعدد كبير من الشباب فرصة ممارسة الفعل الموسيقي على نحو مستقل، حتى تطور الأمر وصار بالإمكان مساهمة هذه المجموعات ومشاركتهم في سوق الموسيقى الخرطومي أن كان ذلك في المناسبات الخاصة مثل الأعراس والخطوبات والسمايات وختان الأطفال وما الى ذلك بل صار لهولاء الفنانين الموسيقيين خارج مؤسسات الدولة الرسمية المعنية بتنظيم المهن الموسيقية صار لهم موكليهم المناط بهم عقد الإتفاقات والأرتباطات ،أعتمدت هذه المجموعة من المغنيين والموسيقيين بنحو أساسي على التراث الموسيقي الغنائي المسموع والمسجل في مكتبة الأذاعة السودانية وحيث أن أعداد السكان في مدينة الخرطوم كانت في تزايد مستمر نتيجة لعمليات النزوح الضخمة لسوء الأحوال الإقتصادية في الأطراف أدي ذلك لبروز فئات إجتماعية جديدة في الإمتدادت السكنية حول المدينة القديمة أكتظت بالفقراء والمساكين، لعبت هذه المجموعات دور من يقدم تسهيلات ومرونة في عملية تخفيض تكاليف إنتاج الحفلات في بيوت المناسبات لما كانو يقدمونه من تنازلات مادية مقابل اثبات حضورهم في واجهة مشهد الغناء والموسيقي في الخرطوم. ولربما في عموم انحاء السودان.ايضاً رافق هذه المرحلة ولنفس الظروف الإقتصادية آنفة الذكر تغييرات كبيرة أخرى تمثلت في ألإزدياد الكبير في أعداد المغتربين لدول الخليج النفطي، فضيق ذات اليد أضطر الكثيرون لبيع حميرهم ويفرجوها على أنفسهم بعد ما قنعوا من فرجاً قديم طال إنتطارهم له لكنه لم يأت. وهذا الوضع كان مسئولاً من تسريب منتجات الصناعة الحديثة والتكنلوجيا الإليكترونية للسودان . مسجلات، تلفزيونات ملونة،خلاطات، كيبوردات حافلات أجهزة ساوند سيستيم كل ذلك في سبيل محاولة التغلب على الظروف الإقتصادية الطاحنة ومحاربة عطالة الاخوان والابناء المرابطين بالداخل.يبدوا أن هذه التحولات الكبيرة قد أدت الي فك آخر اشكال الأرتباطات بمؤسسات الدولة اياها من نواحي إنتاج العرض الموسيقي ولم يتبقى لها الأخيرة غير الجوانب التنظيمية القانونية المتعلقة بإدارة المصنفات الموسيقية والغنائية التي شكلت في مجملها المادة الرئيسة البيعتمد عليها الشباب من خارج المؤسسة. وشيئأ فشيئاً وبتوفر أمكانية إنتاج الحفل الموسيقي بابسط الوسائل فقط بآلة الكيبورد الوافد الحديث من دول النفط استطاع الشباب في الأحياء تدبير أمورهم لا يلون على شئ وما شغالين بي زول وعلى كيفهم يغنون ما يستطيعون اليه سبيلا . هرعت أعداد كبيرة من المغنيين والموسيقيين بعضهم ظل مغموراً غير معروف والبعض الآخر بدأ في الظهور عبر الكاسيت بوسائط شعبية بديلة مثل المركبات العامة الكافتيريات والمطاعم الشعبية وأكشاك بيع الليمون البارد. بل صار بأمكانهم التنافس العلني بل أكثر من ذلك بدأو نوعاً ما في جذب ولفت إنتباه حتى عناصر الاشكال القديمة المسيطرة علي مؤسسات المهن الموسيقية. ومن هؤلاء الفنانين خارج رحم المؤسسة كان هناك حيدر بورتسودان، جلال مسعود، بلال موسى، فيصل الصحافة،جلال الصحافة ، محمد سلسل،حنان بلوبلو،نادر خضر....الخ .لكن يبقى السؤال الأساسى لماذا الفنان محمود عبد العزيز بالذات من استحوذ على هذا الإهتمام وحب الناس بمذاهبهم المختلفة؟. أقول في الحين الذي تناول فيه كثير من المغنيين الهواة في بداياتهم الأغاني الرائجة المنتمية لأتجاهات الموسيقى والغناء التقليدي مثل أغاني حقيبة الفن وأغاني الفنان ابراهيم الكاشف وعثمان حسين ومحمد وردي وكل التجارب الموسيقية الغنائية المنتمية لتلك المرحلة التقليدية .نجد أن المطرب محمود عبد العزيز قد تناول في بداياته الأغاني السودانية المنتمية على نحو ما للجيل الموسيقى الأكثر حداثة مثل أغاني أقول أنساك.. الفنان (الهادي حامد) الذي يمكننا أن نصنف تجربتة اللحنية والغنائية لمرحلة ما بعد معهد الموسيقى والمسرح والتي ظهرت بوادرها الأولى عند الموسيقى والملحن المعاصر (أنس العاقب) في اغنيتة الشهيرة ـ يا بلدينا الماك طارينا ـ وفيها بدأ ظهور إستخدام السلم الكامل على نحو واضح في اسلوب التلحين وطرق الأداء في موسيقى وسط السودان، ثم إضافات الفنان الراحل أحمد ربشة في طريقة أدائه لبعض الأغاني السودانية (بدري من عمرك) الحان عبد اللطيف خضر الحاوي( يا اله فني) لعثمان الشفيع وعوض الكريم القرشى وأغنية (شذى زهر) للفنان عبد الكريم الكابلي وكلمات الشاعر المصري عباس محمود العقاد. وذلك لما قدمه فيها من إضافات جاءت متأثرة على نحو ما بخلفيات تكوينة الموسيقى الهجين وفي نفس الإتجاه تأثر ايضاً الموسيقي الفذ (يوسف الموصلي) على الأقل من نواحي التلحين والتوزيع الموسيقى المرتكز على علم الأوركستريشن الغربي ونظريات الهارموني الغربي وتطبيقاته العملية، انظر الأغنيات أنتي ليا...الأماني السندسية....بكتب ليك رسالة طويلة يا أمي..... شوق الهوى...وعلى قدر الشوق...الخ. قل كل الإتجاهات الموسيقية الارتكزت على التراث الموسيقى العالمي وممثليها في السودان أمسك من كبيرهم الذي علمهم السحر الفنان شرحبيل احمد وبقية فرق الجاز البلو ستارز، العقارب،فرقة جاز الديوم،الأصابع الذهبية بقيادة المغني وليم أندريا أنظر اغنية (بدور ارتاح) وهذه الأخيرة اي الفرق والمجموعات المعروفة تحت مسمى فرق الجاز لم تجد ايضاً حظها في الإهتمام من قبل المؤسسة الموسيقية الرسمية ،فاصبحت أغانيها وإتجاهاتها الموسيقية مثلها في ذلك ومثل أغاني موسيقى (الراي) الجزائرية وهي الأغاني التي تنشد النزوع للحرية المتاصلة ومتضمنة في هذه الإتجاهات الموسيقية نفسها ولما فيها من ايقاعات محرضة للرقص والتحرر الجسدي والروحي. وهي في عموم العالم تننشر بين اوساط الشباب وتعبر عن همومه اليومية وتنتقد على نحو ما التقاليد الموسيقية السائدة وبذلك أيضاً إنتقاد كل التقاليد الإجتماعية السائدة بجرأة كبيرة ونصوص مباشرة خالية من الترميز والتقعير الشعري والخطوط السياسية التنظيمية، فهى تتغني بالحب والنساء وبالكحول والمخدرات والنساء فيها يتغنين بالرجال حتى لو كانوا "رجال مرة"؟! ويتزين روادها ومحبيها بالملابس الرافضة وتسريحات الشعر المتمردة وإتخاذ طرق للعيش تسعى للخروج من دائرة الذوات المسقطة في وعيهم أن كان ذلك من قبل الآباء التقليديين او الآباء المؤسساتيين عبر مناهج التربية والتعليم والقمع الطويل من السلطات السياسية،العطالة غياب الخطط ،الإنفتاح الكوني، حتى ليمكننا هنا ومن دون مبالغة الحديث عن حركة (هيب هوب ) عالمية تشكل هذه الإتجاهات الموسيقية لغتها الأساسية كل في محيطه الموسيقي الثقافي الخاص به .المهم وجد الفنان محمود عبد العزيز نفسه قريباً من هذه التجارب والإتجاهات الموسيقية الحديثة على المستويين المحلى والعالمي. وبدأ بما يملك من صوت قوي ومخارج سليمة وقدرات تعبيرية متميزة ودرامية اظنها قد تسربت اليه عبر ممارستة فن الدراما المسرحية والتلفزيونية في مقبل حياته إضافة لأنه في ذلك الوقت اي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات اي الفترة التي اعقبت الإنتفاضة الشعبية في السادس من ابريل 1985 وسيطرة أجواء الديمقراطية وثقافتها على المناخات العامة، نذكر من ذلك برنامج شرف الكلام التلفزيوني باستضافاته المتميزة لتجارب ورموز موسيقية تنتمي تجاربها الموسيقية لهذا التيار الحداثوي امثال ابو عركي البحيت،محمد الأمين،مجموعة عقد الجلاد بقيادة عثمان النو/باص جيتار ،ملحن ومؤلف وفرقة السمندل بقيادة الفاتح حسين/أكوستيك جيتار ومعية ميرغني الزين،جراهام عبد القادر،احمد باص،عمر منصور،ابو بكر احمد مصطفى(سمندلاوي)،سلمى/على آلة الكمان ،فايز مليجي،اسامة مليجي/ ايقاعات مريم حسن احمد البشير/أكورديون ،حواء المنصوري/كيبورد وغيرهم لا أذكرهم الآن وأيضاً فرقة عزة الموسيقية بقيادة شاكر عبد الرحيم/أكوستيك جيتار ومعية العازفين المهرة عمر فتح الله ،عفيف فتح الله، ميكائيل ضمرة /كمان، حمودة/ساكسفون ، امير طاشين/باص جيتار، نادر رمزي/جيتار كهربائي ، عبد الخالق/بونقز.كما لازم تلك المرحلة حضور قوي للأصوات النسائية حنان النيل وتجربتها الفريدة آنذاك مع الموسيقى عازف الكيبورد(إبراهيم محمد الحسن) الإتمثلت في إنتاج كاسيت ذاع صيته فعم القرى والحضر وكاسيت أخر نال حظه من النجاح والإنتشار ضم فنانين وموسيقيين كبار هم عبد الكريم الكابلي،يوسف الموصلي، البلابل وزينب الحويرص اشتهر بشريط (وامطرت لؤلؤ) اضافة لحضور موسيقى قوي تمثل في إقامة مهرجان الخرطوم الدولى للموسيقى الذي يستضيف بالإضافة للفرق والمجموعات الموسيقية السودانية فرق موسيقية غربية عبر المراكز الثقافية الأوروبية في مدينة الخرطوم مثل معهد جوتة والمركز الثقافي الفرنسى، (British Council) او المجلس الثقافي البيرطاني بالخرطوم والسفارة الهولندية بالخرطوم كل هذه المنظمات كانت تتعهد بجلب مجموعات وفرق موسيقية من بلدانها في عملية تبادل ثقافي موسيقي قام بأثراء الساحة الثقافية الموسيقية في سموات الخرطوم. هذا ما اردت تقريباً من عكسه وطرحه بوصفه الوعاء الأشمل المسؤول عن عملية فهمنا لتلك الظواهر اي الأجواء العامة والمناخات الموسيقية التي شهدتها بلادنا في الفترة الماضية من عمر التحولات الكبرى وأنتجت كثير من الظواهر والمظاهر الموسيقية التي تستفزنا لمحاولة تبين ظروفها وإكتشاف مكوناتها والوصول لمنابعها وتتبع روافدها الرئيسية وطرق عملها في العقل الإجتماعي ومن ثم تصور تطوراتها اللاحقة ما أمكن. في المرحلة القادمة ساسعي الي تناول ظاهرة "الحواتة" اي جمهور الفنان محمود عبد العزيز الوجه الآخر للظاهرة في محاولاتنا فهم الظاهرة المحمودية. #يتبع الموسوعة التوثيقية للأسطورة محمود عبد العزيز


شاعر أتغرب.


4 عرض
  • YouTube
  • Facebook
  • Instagram

 © 1967 - 2013 Mahmoud Abdulaziz. All Rights Reserved.