موت الحوت بمنزلة إحتراق مكتبة الإذاعة السودانية .. ( 3 )

بقلم : وليد يوسف

* فنان الشباب...والنجم الجماهيري

سأكون واهماً كبيرا إن ظننت للحظة ان لدى القدرة على الإحاطة بظاهرة "النجم الجماهيري " او امكانية ادراك فكرة النجومية في حيز ممارسة فن الغناء والموسيقى . ولربما سهل الأمر في تناول هذه الظاهرة في مجالات السينما والتلفزيون ،المسرح وكلما يتعلق بهذه الفنون التى تنتقل فيها علاقات البطولة المطلقة من صميم البناء الدرامي وتتعمم على صيغة " النجم الأوحد" الذي سوف يصار الى مثال وقدوة يحتذى بها، يشحذ مخيلات جماهير المشاهدين والمعجبين بشتى الأفكار والمشاعر والرؤى؟.اما في مجال ممارسة العملية الموسيقية وبالأحرى العملية الغنائية فالأمر جد مختلف ويمر بالتعقيد والألتباسات المضللة.مجموعة من العوامل والظروف والتفاصيل منها ماهو خاص يشمل تفاصيل وخصائص النموذج المحدد موضع الدراسة. وماهو عام تتحدد من مواقعه المختلفة وأبعاده المتباينة، الزوايا والمناظير التي نظن انها هي المسؤولة عن تفسير هذه الظاهرة . غير انه ومن المؤكد صعوبة الإمساك بها وتبين طرق عملها على المستويين الداخلي والمحوري وما يحيط بهما. وأيضاً تحديد نوعية العلاقات التي تربط بينهما، الثانوي منها و الأساسي ،المؤثِر فيها من المؤثَر فيه؟. وأن أستطعنا الأمساك بواحدة من تلك العناصر المكونة فلت منا الكثير. ولكيما نحقق قدر بسيط في محاولة فهمنا لهذه الظاهرة يتوجب علينا التركيز على عناصر بعينها وإتخاذها كنماذج او عينات نقارب ونقارن بها ونطرحها كوسائط قياسية في حيز الأطر المعرفية المعنية بالظاهرة.

ستكون العينة الأولى او العنصر المكون للفكرة نفسها هو ذاكرة "الجماهير" الملتفة حول النجم الفرد المزعوم بجسور ممدودة من الرؤى والمشاعر والأحلام والطموحات والآمال والذكريات، كما الخيبات والإحباطات والهزائم تبث عبر هذه الجسور دفعة واحدة من الرسائل والاشواق وتوهجات الحنين لمحبوبها الذي يقوم بدوره بالتعبير عن تلك الجماهير غنائياً حالة كونه فرد منطلق من اوساط جماعية تقف على ارضية قوية من العلاقات الجدلية المتبادلة .لكن قبل ذلك كله سأعمل على تقديم وتناول بعض المفاهيم والمصطلحات او العبارات التقليدية السائدة في مجال ممارسة فن الغناء والموسيقى في بعديهما المؤسسى والجماهيري ومحاولة الأمساك بها ومتابعة مسيرتها في الزمان منذ تكونها وتخلقها في رحم الذاكرة السماعية المسجلة للمنتج الغنائى الموسيقى في الحواضر السودانية الكبرى أعني أمدرمان،مدنى،الأبيض،بورتسودان.عبارات مثل "فنان الشباب" ويمكن أن تقرأ ايضاً بصيغة فنان الجماهير.عبارة فنان الشباب اذا كان حدسي سليماً أن اول ظهور لها في لغة الأعلان والإعلام وإنتاج الحفل الغنائي في الخرطوم في بداية السبيعنيات من القرن المنصرم وكانت قد اطلقت على فنان الشباب الخالد ( زيدان ابراهيم) وبتحديد أكثر في الفترة التي أثمر فيها التعاون الفني بينه وبين الملحنين عمر الشاعر والفاتح كسلاوي مجموعة من الأغاني الناجحة غلب عليها طابع الأيقاعات الرشيقة الراقصة المصاحبة بكلمات خفيفة ونزقة وأداء غنائى متحرر نوعاً ما وكلمات شاعرية موضوعاتها الأساسية كانت الحب الضائع ولوعة الفراق غدر الحبيب وما الي ذلك من الأغاني التي كانت تعبر على نحو دقيق عن جيل الشباب في تلك الحقبة من الزمان أغنيات مثل: فراش القاش لا هماك عزابنا ليه كل العزاب أخونك وسط الزهور ليلة زفاف دنيا المحبة اسير حسنك يا غالي لا هماك عزابنا قصر الشوق غربة وشجن لو تعرف اللهفة لفترة طويلة ولأكثر من موسم تقلد الفنان زيدان ابراهيم هذا اللقب الفني " فنان الشباب" بلا منازع حتى ظهور الفنان عبد العزيز المبارك في نهاية السبيعينيات كمنافس شرس لزيدان في عرش لقب فنان الشباب وبعد ذلك توالت عمليات تناقل اللقب اوالتنازع حوله لمجموعة من الفنانين الشباب نذكر مهنم، نجم الدين الفاضل، الرشيد كسلا،محمد سلام وبيضة الديك تبعه. (قام أتعزز الليمون)،عماد احمد الطيب،حيدر بورتسودان وغيرهم حتى لحظة محمود عبد العزيز.المهم في أعتقادي الشخصى ان عبارة "فنان الشباب" لم تكن تعرف او تستخدم في الوسط الفني السوداني في الحواضر والمدن، قبل ظهور فنان الشباب زيدان ابراهيم (؟).

من أين جاءت هذه التسمية التى تبدو مقرونة ومرتبطة بجيل محدد لا يمكن تحديد مجموعاته او الإتفاق حول تعريف دقيق لمفهومه؟ للأجابة على هذا التساؤل لابد لنا من عودة الى قاموس الالقاب الفنية في السودان الحضرى الذي بدوره سوف يعود بنا لبداية ظهور تقنية الحامل الصوتي (الأسطوانة السمعية) ومشغلها جهاز (الفونوغراف) في عشريننات او ثلاثينيات القرن المنصرم وهي الفترة التي قام فيها المنتج الموسيقي السوداني (محمد ديمتري البازار) وزوجته (فاطمة خميس) باصطحاب عدد مقدر من الفنانين المغنيين "الصيَّع" من السودان بالتحديد مدينة الخرطوم والذهاب بهم الى مدينة القاهرة بغرض تسجيل أغانيهم الرائجة آنذاك عبر منابر المناسبات الخاصة "بيت اللعبة" كما كان يطلق عليها في ذلك الحين، تسجيلها في اسطوانات سمعية تستعاد بالتشغيل على جهاز الفونوغراف الذي بدأ في الإنتشار في المقاهي والمطاعم ودواوين الوجهاء من التجار وكبارالضباط في جيش السودان المستعمرة الأنجليزية وايضاً في بيوت كبار موظفين جهاز الدولة في الخدمة المدنية وما الى ذلك.ثم توسع إنتشار تلك التسجيلات بعد تأسيس الأذاعة السودانية 1940 إبان الحرب العالمية الثانية في مدينة امدرمان في غرفة صغيرة تابعة لمباني بوستة امدرمان القديمة وكانت فترة بثها لا تتجاوز نصف الساعة في اليوم .من الساعة السادسة وحتى الساعة السادسة والنصف مساءً تقدم في تلك الفترة القصيرة تلاوة لآيات من القران الكريم تعقبها نشرة خاصة بالحرب وتختتم بأغنية سودانية من تلك التسجيلات الرائدة. كل ذلك يتم بثه بواسطة مكبرات صوت ثبتت على جدران المبني لتمكن الجمهور الذي كان يقف أمام مبنى البوستة بأم درمان للأستماع والمتابعة. إنطلاقاُ من تلك الفترة بالتحديد يمكن الحديث عن بداية تكون الذاكرة الموسيقية الغنائية السماعية الموثقة المعروفة تحت مسمى مرحلة الحقيبة وفيما بعد بالإغنية السودانية في الحواضر او اغنية الوسط السوداني .ومثَّل المغنيين رواد هذه المرحلة بطريقة ادائهم الصوتى ووحي خيالاتهم الخيط الدال الذي سيربط كل المراحل المختلفة التي ستعقب هذا الحقبة. واسمى هنا للحفظ هذه الفترة بفترة الرواد الذين كما ذكرت كان لهم دور تحديد هوية الغناء السوداني الحضري ليس فقط في طرق أدائهم الصوتي القوي، قوته تلك التي جاءت لسبب ظروف الغناء "الأوكستيكية" آنذاك التي غاب عنها العامل التقني المساعد في عملية نقل الصوت وتحسين شروط أرتفاعاته في مجال السمع الفيزيائى، اقصد مكبرات الصوت والمايكرفونات، فتجد المغنيين من ذلك الزمان يركزون بشكل اساسى على عملية أصدار صوتي مرتفع عالى النبرات وواضح الصدح، يحتفظ فيه المغني بالهواء في المنطقة العلياء لتجويف الصدر ثم يقوم باللعب والغناء وتشكيلة حسب تجاويف منطقة الأنف وهي الطريقة التي اسميها (بالزميم الصداح). هذا بالأضافة لرسمهم الخطوط العامة والأساسية لهذا النمط او الاسلوب الغنائي وراوفده الأخري. كان بالطبع لهذا الجيل ثقافتة الموسيقية بلغتها وأدبياتها ومنها عملية أطلاق الالقاب والاسماء الفنية التي سوف تساعد على ترويج المنتج الغنائى في الحامل الصوتي ثم تتمدد بعد ذلك وتتوسع لتشمل خطابات التقديم في المسارح وبيوت الاعراس وكثيراً ما نسمع من خلال برنامج حقيبة الفن صوت مذيع يقوم بتقديم الاغنية المسجلة على الأسطوانة قبل بداية المقدمة الصغيرة التي ستعقب ذلك أن كان ذلك بآلة الرق الايقاعية او آلة البيانو او غيرها من الآلات الموسيقية المتوفرة في ذلك الحين ليأتي الصوت عبر الزمان: اسطوانات مشيان "كروان السودان" كرومة.....واظنهم قد تأثروا في هذا التقليد بتقاليد الموسيقيين المصريين هذا غير التاثيرات الكثيرة الأخري لهذا البلد في الثقافة الموسيقية السودانية في الحواضر أنظر نماذج من القاب ومسميات بعض الفنانين المصريين: كوكب الشرق او سيدة الغناء العربي(أم كلثوم) موسيقار الأجيال(محمد عبد الوهاب) العندليب (عبد الحليم حافظ) ويقابل ذلك عندنا في السودان: عميد الفن او عميد الغناء السوداني (الحاج محمد أحمد سرور) كروان السودان (كرومة) بلبل السودان (التوم عبد الجليل) عصفور السودان (ابراهيم عبد الجليل) عميد الفن (أحمد المصطفى) ابو الفن (ابراهيم الكاشف) أمير العود (حسن عطية) فنان السودان الأول (محمد وردي) الفنان الذري(أبراهيم عوض) العندليب الأسمر (زيدان ابراهيم) الحوت(محمود عبد العزيز) لكن رغماً عن ذلك اذا القينا نظرة سريعة على مشهد ثقافة الغناء في المركز الكبير (مصر) سنجد أن عبارة فنان او مطرب الشباب غير موجودة بنفس القوة كما هي عليه في ثقافة إنتاج الموسيقي السودانية موضع الدراسة وأظن ان مرد ذلك يعود لرسوخ التقاليد الموسيقية القديمة في مصر المؤمنة ، الشئ الذي سيؤدي الى عملية ابطأ نسبي لجدليات صراع القديم والجديد نتيجة لقوة المؤسسة التقليدية نوعاً ما هناك وبالتالي إنتشار موانعها الثقافية على نطاقات واسعة في المجتمع ذو الطابع الشرقي المحافظ.لكن أعتقد ان اول ظهور لمصطلح " الأغنية الشبابية" الذي يعادل مصطلح فنان الشباب عندنا في مصر كان في بداية التسعينات من القرن المنصرم في التجربة المغضوب عليها والواجهت سيل من الإنتقادات والهجوم العنيف من قبل النقاد الموسيقين وقبول كبير من جماهير المستمعين،تلك التجربة التي جمعت بين المغني (على حميدة) والملحن (حميد الشاعري) في أغنية لولاكي. ما اريد قوله هو لربما كانت كلمة "شباب" أحد العناصر المكونة للمصطلح او المفهوم جاءت لتعبر عن حركة تطور تلك المراحل، بمعنى ان المقصود بالشباب او الحالة الشبابية هنا ليس فقط الجيل او المرحلة العمرية لصغار السن من المعجبات والمعجبين بالفنان المحدد في زمن محدد. بل أكثر من ذلك جاءت في ذلك السياق لتحدد المكانة التراثية والمعاصرة في آن لتتطور الأغنية نفسها المتسربة في مسيرتها عبر مراحلها المختلفة في الأزمنة. وقد ركزت قبل ذلك على مرحلة الريادة التي ستعقبها بالضرورة مرحلة الإستعادة اي إستعادة موروث ذاكرة السمع الغنائية السودانية الموثقة في الحوامل الصوتية والتي بسطوتها وسلطتها التوثيقية تلك جعلت من خيار الإستعادة أمر لا مناص منه،غير انه يتجدد في كل مرة بحيثيات جديدة في كل مرحلة بما يناسب حاجاتها وتطلعاتها ودرجات تطورها تقدماً كان او تخلفاً وكل الظروف المرتبطة بها على نحو عملى وتغير شروطها الفنيةالموضوعية مثل ظهور الآلات الكهربائية الغربية الحديثة مثل البيز والجيتار والدرمز والمحسنات الصوتية، السرعة في ايقاع الحياة على وجه العموم، الإنفتاح الكوني او كل ماهو جديد يستدعى تجديد الأغنية السودانية في الوسط لتغيير دمائها وبث روح النشاط والشباب فيها وما الي ذلك ،وسأعود لذلك بتفصيل اوسع.

#يتبع

الموسوعة التوثيقية للأسطورة محمود عبد العزيز


0 عرض
  • YouTube
  • Facebook
  • Instagram

 © 1967 - 2013 Mahmoud Abdulaziz. All Rights Reserved.